|
المبحـث الثالـث : دلالة الثناء
أيها القارئ الكريم : هل عشت في غربة مع رفقةٍ من أهلك وعشيرتك بل من قريتك ؟ كيف عشتم سنوات الغربة ؟؟ هل عشت في ثكنة عسكرية مع هؤلاء أو مع أحبابك ؟؟
أيها القارئ الكريم : هل عشت في فقر ، واضطهاد مع أصحابك الذين اجتمعت معهم برباط عقائدي يجمع بين العقل والعاطفة ؟ ما رأيك فيمن عاش هذه المواقف كلها ؟ وكانوا كلهم رفقة أصحاباً في السراء والضراء ، بل معهم خير البشر محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا سيما السابقين عاشوا تلك المواقف ، نعم حياتهم الاجتماعية مختلفة لها طابعها الخاص يعرفها كل من درس السيرة ، أو كان له اهتمام بسيط بحياة الحبيب – صلى الله عليه وآله وسلم - .
أيها القارئ الكريم : لعلك وأنت تقرأُ هذه الأسطر تنتقل معي إلى أعماق التاريخ ، لمّا كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في مكة في دار الأرقم والدعوة سرية ، ثم لمّا ظهر الإسلام هناك ، ثم لما هاجر أصحابه الكرام إلى الحبشة بلاد الغربة وبعدها إلى المدينة ، وتركوا الأهل والأموال والوطن ، تأمل حالهم في الأسفار البعيدة الشاقة وهم على الإبل وسيراً على الأقدام ، عاشوا جميعاً الخوف والحصار في المدينة في غزوة الخندق ، وقطعوا البيداء والقفار في غزوة تبوك ، عاشوا مرحلة الانتصارات في بدر ، والخندق ، وخيبر ، و حنين وقبلها مكة وغيرها .
تأمل في الآثار النفسية : نعم كيف تكون المودة والصحبة بينهم ولا يغب عن ذهنك أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - معهم ، وهو القائد لهم والمربي والمعلم ، وليكن حاضراً في ذهنك أن القرآن ينزل من رب السماوات والأرض إلى قائد هذه المجموعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، تأمل في هؤلاء . اجتمعت قلوبهم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، تأمل في الآثار النفسية بمجموعةٍ تآلفت قلوبهم واجتمعت على رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - وقام رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بتربيتهم وعاش معهم والقرآن ينزل عليهم . تصور معي تلك المواقف والأيام ، ولقد سبق الحديث عنها في الرسالة الأولى صحبة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - .
لا شك أن الوفاق والوئام والمحبة هي السائدة بينهم قال الله تعالى { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ... } الآية [آل عمران 103] . لو تكرمت تَدَبَّر في معانيها : شهادة من الله سبحانه وتعالى لأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - بأنه { ألف بين قلوبهم } هذه منّة من الله تعالى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا راد لفضل الله . نعم كانت العدواة بين الأوس والخزرج مشتعلة ، ولكن الله سبحانه وتعالى أزال هذه العدواة وجعل بدلا منها محبة ووئاما .
أيها القاري الكريم : ما يضرك أن تؤمن بهذا وأن تحسن الظن بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ربهم سبحانه يَشْهَد لهم وَيُذَكِّرهُم بفضله عليهم ، وأنهم أصبحوا إخوة قلوبهم صافية استقر بها التآلف والمحبة والوئام ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ويدل على العموم الآية التالية : قال الله تعالى : { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم }[الأنفال 62-63]
أيها القارئ الكريم :تأمل في الآية كرر تلاوتها ، ففيها ذكر الفضل من الله – سبحانه وتعالى - على رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم - بالنصر وبالمؤمنين ، والذي يهمنا هنا أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لو أنفق مال الأرض جميعاً ما حصل له ذلك ، ولكن الله سبحانه هو صاحب الفضل ، ومع ذلك يوجد من ينكر ذلك وتأبى نفسه إلا مخالفة النصوص والزعم أن العداوة هي السائدة بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - .
الله عز وجل يخبرنا بأنه ألّف بين قلوبهم ، وألف بينهم ، وجعلهم إخواناً ، وجعلهم رحماء بينهم ، ومع ذلك تكرر الأساطير والأخبار بأن العداوة بينهم قائمة !!
جاءت آيات كثيرة سبق ذكر بعضها في الثناء على الصحابة - رضي الله عنهم - ، وآيات في ذكر أوصافهم وأفعالهم ، ومنها الإيثار الناتج عن المحبة قال الله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوأوا والدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون }[الحشر 8-9] .
وما سبق فيه إشارة إلى بعض النصوص القرآنية وهي كثيرة ، وقد اقتصرنا على ما يدل على المحبة ، ويؤكد وجودها ، وأنها متأصلة في قلوب أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - وكما لا يخفى عليك فإن الإيثار ، والأخوة ، والموالاة ، وألفة القلوب ، كل هذه المعاني وردت فيها نصوص قرآنية وهي تؤكد على صفة المحبة وقد جاء أكثر من نص قرآني صريح فيها ، تأمل الآية السابقة ففيها إثبات محبة الأنصار للمهاجرين وتأمل في آخر آية من سورة الفتح .
وبعد إليك هذه القصة التي رواها علي الأربلي في كتابه كشف الغمة ( ( ج2/ 78 ط إيران ) ) عن الإمام علي بن الحسين - عليهما السلام – قال : ( ( جاء إلى الإمام نفر من العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - ، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم : ألا تخبرونني ؟ أأنتم المهاجرون الأولون { الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً أولئك هم الصادقون } ؟ قالوا : لا قال : فأنتم الذين { تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ؟ قالوا :لا ، قال : أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين ، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم : { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا } اخرجوا عني ، فعل الله بكم . ا .هـ
هذا فهم زين العابدين علي بن الحسين - عليهما السلام - وهو من التابعين ، وقد امتلأت الكتب في ثناء بعضهم على بعض كتب أهل السنة وكذلك كتب الشيعة والدارس لكتاب نهج البلاغة يجد خطباً كثيرة وإشارات صريحة كلها في الثناء على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - . واخترت واحدة لما فيها من اقتباس من القرآن الكريم .
وقال الإمام علي - عليه السلام - : لقد رأيت أصحاب محمد – صلى الله عليه وآله وسلم - فما أرى أحداً يشبههم منكم ، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم ، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ، ورجاء للثواب ا .هـ
وكلامه - عليه السلام - في الثناء عليهم يطول ، ولحفيده الإمام زين العابدين رسالة ضمّنها الدعاء لهم والثناء عليهم وتجد لكل إمام من الأئمة – عليهم السلام - أقوالاً كثيرة في الثناء على الصحابة - رضي الله عنهم - وقد جاءت روايات كثيرة عنهم فيها التصريح بالثناء على الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين وغيرهم ولو جمعت لجاءت في مجلدات .
أيها القارئ الكريم : لقد أكثرت عليك الكلام مع حرصي على الاختصار فأرجوا المعذرة وأسأل الله الكريم أن ينفعني وإياك به ، ولكن لا بد من بيان الحقيقة متكاملة ، وآمل أن تصبر معي قليلاً ؛ فإن الرسالة أوشكت على الانتهاء ، بقيت وقفة مختصرة لبيان منزلة آل البيت لدى أهل السنة والجماعة لكي تعلم وفقك الله تعالى بأن أهل السنة يحرصون كل الحرص على التمسك والعمل بالقرآن الكريم ( الثقل الأكبر ) ، وهم كذلك يتمسكون بآل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ( العترة ) وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة مستقلة وفيما سبق تأكيد للرحمة بين أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كلهم ، وفيهم أقاربه وخواصه الذين دخلوا معه في الكساء ، وفي الوقفة الآتية إيضاح لبعض حقوقهم كما قررها علماء السنة رحمهم الله تعالى .
رحماء بينهم : التراحم بين آل بيت النبي وبين بقية الصحابة
|