|
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلا هادي له أمـا بعـــد ... فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سيد ولد آدم ، وهذه حقيقة شرعية يتفق عليها أهل الإسلام جميعا ، وهذا الاتفاق نعمة كبرى على هذه الأمة ولله الحمد والمنة . ولا عبرة لمن شذ من الأمة في تفضيل بعض الأئمة على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في العلم أو غيره [1]، فهذه الروايات المدونة في الكتب تجد من يؤولها أو يضعفها .. إن وضوح منزلة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ومكانته وأنه صاحب الشفاعة الكبرى والحوض المورود ، وصاحب المنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة ، وهذه الحقائق لا ينكرها أحد .. لقد انتقلت بركات رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أقاربه آل البيت وأصحابه رضي الله عن الجميع . نعم منزلة آل البيت كبيرة ، وقد جاءت آيات كثيرة وأحاديث متواترة في بيان ذلك ، وهي تشمل من صحب منهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وتشمل ذرياتهم وفيها بيان فضلهم ومنزلتهم . وكذلك كل ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم فإن آل البيت –عليهم السلام -الذين فازوا بصحبة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - هم أول من يشمله ذلك ... وقد سبق في الرسالة الأولى الحديث عن صحبة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وفي هذه الوريقات سوف أتحدث عن الرحمة بين هؤلاء الأصحاب - رضي الله عنهم أجمعين - وينبغي علينا عدم السآمة من الحديث عن صُّحبة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - وفضلها ؛ والتلازم بين صاحب البركات الذي بمجرد الإيمان به وصُحبته فاز الأصحاب بلقب "صحابي" واختلفت منازلهم ودرجاتهم في جنات النعيم بأعمالهم وجهادهم مع سيد المرسلين ، وكذلك منازلهُم في الدنيا من المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم وكلاً وعد الله الحُسنى قال الله تعالى : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وَكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير } [الحديد 10] . نعم ، الجميع لهم فضلهم ومنزلتهم ، وعلينا إدراك عِظم الصُّحبة ، وأنها منزلة قائمة بذاتها . ومنازلهم بحسب أعمالهم فهم طبقات : السابقون الأولون لهم أعلى المنازل ، ومن جمع الله له بين الصحبة والقربى –وهم آله الأطهار فسلام عليهم ورضي الله عنهم أجمعين- فلهم منزلة الصحبة وحق القربى ، ومنازلهُم بحسب أعمالهم .
أيها القارئ الكريم : إن البحث عن أسباب الافتراق في الأمة وعلاجها مطلبٌ شرعي ، وحديثي عن قضية كُبرى ، ولها آثارها التي عصفت بالأمة ، وسوف أختصر الكلام عن الرحمة بين أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم– من آل البيت – عليهم السلام – وسائر الناس ، فمع ما جرى بينهم من حروب إلا أنهم رحماء بينهم ، وهذه حقيقة وإن تجاهلها القصاصون ، وسكت عنها رواة الأخبار ، فستبقى تلك الحقيقة ناصعة بيضاء تردّ على أكثر أصحاب الأخبار أساطيرهم وخيالاتهم ، التي استغلها أصحاب الأهواء والأطماع السياسية ، والأعداءُ لتحقيق مصالحهم وتأصيل الافتراق والاختلاف في هذه الأمة .
إلى الباحثين والكَتَبة عن تاريخ الأمةُ بل إلى الداعين إلى وحدة الكلمة وتوحيد الصف . إلى الذين يتحدثون عن خطورة العولمة وآثارها ووجوب توحيد الصف لمواجهة آثارها . بل إلى كل غيور على هذه الأمة ، أقول : لماذا نثير قضايا ومسائل تاريخية لها آثارها السلبية وتؤصل العداوة من غير بحث ونظر ؟؟ لأجل جماهير العوام ، أو لأجل تقليد أعمى أو كسب مادي !! إنك تعجب من كثير من الكتاب والباحثين الذين يقضون أوقاتاً ويبذلون جهوداً كبيرة في مسائل تاريخية أو فكرية هي مبنية على روايات ضعيفة واهية أو أهواءٍ ونحو ذلك ، بل منهم من يعتقد أنه يحسن صنعاً وأنه وصل إلى حقائق علمية !!! وما وصلوا إليه فيه تفريق للأمة ، وإذا سألتهم عن ثمار عملهم وجهدهم لا تجد جواباً !! وأحسنهم حالاً من يقول لك لأجل العلم وكفى !!! وأين هنا الأساس العلمي الذي اعتمد عليه ؟؟ . سبق في رسالة الصحبة بيان التلازم بين رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه الكرام ، وأن من مهام الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - تزكية الذين آمنوا به وهم الأميون الذين أكرمهم الله بالإيمان بالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وصُحبته ، وقال الله تعالى : { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } . [الجمعة 4] فهؤلاء هم الذين قام رسول الرحمة والهدى بتربيتهم ( تزكيتهم ) وتعليمهم . سبق الحديث عن التلازم بين الرسول القائد – صلى الله عليه وآله وسلم – وبين جنده . والرسول القدوة – صلى الله عليه وآله وسلم - والذين أخذوا عنه . والرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - الجار والذين جاوروه وعاشوا معه . والرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - الإمام الذي كانوا تحت سلطانه هم رعيته وهم أصحابه . سبق الحديث عن التلازم في الرسالة الأولى وإن شئت فقل في الفصل الأول [2] .
أيها القارئ الكريم : لا شك ولا ريب لديك بأن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - قام خير قيام بما أمره الله سبحانه وتعالى من إبلاغ الرسالة ، وتزكية أصحابه وتعليمهم وغير ذلك ، ومن ثمار هذه التزكية تلك الخصال الحميدة التي أصبحت سجّية للصحابة - رضي الله عنهم - . ويكفي أنهم خير أمة أخرجت للناس ، قال الله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس }[آل عمران 110] وتأمل قوله سبحانه : { أخرجت } ، مَن الذي أخرجهم وجعل لهم هذه المنزلة ؟ وهذا مثل قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً }[البقرة148] والآيات التي أنزلها الله تعالى في وصفهم والثناء عليهم وذِكْرهم كثيرة جداً ، سبق الحديث عن بعض مواقفهم وما نزل فيها من آيات فلا داعي للتكرار .
|